أحمد بن محمود السيواسي
137
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
أي يا أيها المؤمنون « 1 » إذا عامل بعضكم بعضا ( بِدَيْنٍ ) معطيا أو آخذا ( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) أي معلوم الأول والآخر ، احتراز عن الحصاد والدياس لعدم « 2 » التسمية ( فَاكْتُبُوهُ ) أي دين المديون بالأجل والإشهاد ، وإنما أمر بكتبة « 3 » الدين كذلك ، لأنه أبعد من الإنكار وآمن من النسيان ، قيل : « هذا كان فرضا ثم نسخ بقوله « فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً » « 4 » الآية » « 5 » وقيل : هو أمر ندب ثابت « 6 » ، ثم بين كيفية الكتابة فقال ( وَلْيَكْتُبْ ) أي كتاب الدين ( بَيْنَكُمْ ) أي بين الخصمين « 7 » من البائع والمشتري ( كاتِبٌ بِالْعَدْلِ ) أي بالحق متعلق بقوله « فليكتب » ، يعني بالاحتياط والسوية لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص وعنه ، قيل : فيه إشارة إلى أن يكون الكاتب عالما بالشرط ليجيء مكتوبه معدلا بالشرع « 8 » ( وَلا يَأْبَ ) أي لا يمتنع ( كاتِبٌ ) من الكتابة « 9 » ( أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ ) أي مثل ما علمه كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير ، وهو نهي عن الامتناع من الكتابة المقيدة بالوصف الذي يجيء ذكره ، ثم قال للكاتب ( فَلْيَكْتُبْ ) تلك الكتابة المقيدة تأكيدا ، وبينها بقوله ( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ) أي الدين وعني بالذي المطلوب بالدين ، وهذا أمر بالكتابة المقيدة ، والإملال والإملاء لغتان في معنى واحد ، وهو أن يقول رجل ويكتب آخر ، أي ليملئ على الكاتب ليكتب من عليه حق الدين ، لأنه قوله حجة على نفسه فيكون بالإملاء على الكاتب إقرارا منه لوجوب « 10 » الحق عليه ، ثم خوف المديون المملئ بقوله ( وَلْيَتَّقِ ) أي المطلوب بالدين ( اللَّهَ رَبَّهُ ) في الإملاء ( وَلا يَبْخَسْ ) أي لا ينقص ( مِنْهُ ) أي من الحق ، أي الذي وجب عليه ( شَيْئاً ) ولو كان قليلا ( فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ) أي المطلوب بالدين ( سَفِيهاً ) أي جاهلا بالإملاء ( أَوْ ضَعِيفاً ) عن الإملاء بكونه صبيا أو هرما أو أخرس أو مجنونا فيعجز عنه ( أَوْ لا يَسْتَطِيعُ ) أي لا يقدر ( أَنْ يُمِلَّ ) أي يملئ ( هُوَ ) بنفسه لعي فيه أو لعذر لا يمكنه « 11 » حضور الكاتب ( فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ ) أي ولي من عليه الحق ، وهو القيم على أمره من وكيل أو وصي أو غيرهما ممن يترجم عنه وهو يصدقه ، وقيل : وليه صاحب الدين ، لأنه أعرف بحقه « 12 » ( بِالْعَدْلِ ) أي بالصدق والسوية ( وَاسْتَشْهِدُوا ) أي اطلبوا على حقكم ( شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ) أي من أهل دينكم ، يعني من الأحرار البالغين العاقلين المسلمين يشهدان « 13 » على الدين ، ولا تجوز شهادة العبد في شيء عند عامة العلماء ولا شهادة الكافر إلا عند أبي حنيفة رضي اللّه عنه ، فإنه جوز شهادة الكافر بعضهم على بعض ( فَإِنْ لَمْ يَكُونا ) أي الشاهدان ( رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ ) أي فليكن للشهادة رجل ( وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) في ديانته وأمانته وشهادة النساء مع الرجال في الأموال جائزة بالإجماع ، قوله « ممن ترخصون » في محل الرفع صفة « رجل وامرأتين » ( أَنْ تَضِلَّ ) بفتح « أَنْ » المصدرية ، أي لأن تنسي وبكسر « 14 » « إن » الشرطية ، أي إن نسيت ( إِحْداهُما ) أي إحدى المرأتين الشاهدتين ( فَتُذَكِّرَ ) بالرفع والتشديد والتخفيف « 15 » من التذكير والإذكار جواب الشرط فهي تذكرها « 16 » ( إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) والجملة الشرطية في محل الرفع صفة ثانية ل « رجل وامرأتين » ، ومعنى الشرطية إن نسيت إحديهما الشهادة فهي ، أي فالشهادة تذكرها ( إِحْداهُمَا الْأُخْرى ) ف « إحديهما » فاعل و « الأخري » مفعول ثان « 17 » ل « تذكر » ، فيكون المبتدأ مع العائد محذوفا ، وقرئ بنصب « تذكر » عطفا « 18 » على
--> ( 1 ) يا أيها المؤمنون ، ب م : الذين آمنوا ، س . ( 2 ) لعدم ، ب س : بعد ، م . ( 3 ) بكتبة ، ب م : لكتبة ، س . ( 4 ) البقرة ( 2 ) ، 283 . ( 5 ) عن الشعبي ، انظر البغوي ، 1 / 408 . ( 6 ) أخذه عن البغوي ، 1 / 408 . ( 7 ) الخصمين ، ب س : خصمين ، م . ( 8 ) نقله المفسر عن الكشاف ، 1 / 156 . ( 9 ) الكتابة ، م : الكتاب ، س ، - ب . ( 10 ) لوجوب ، ب م : بوجوب ، س . ( 11 ) لا يمكنه ، ب م : لا يمكن ، س . ( 12 ) اختصره من البغوي ، 1 / 409 . ( 13 ) يشهدان ، ب س : فيشهدان ، م . ( 14 ) « أن تضل » : قرأ حمزة بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها . البدور الزاهرة ، 57 . ( 15 ) « فتذكر » : قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب باسكان الذال وتخفيف الكاف مع نصب الراء ، والباقون بفتح الذال وتشديد الكاف مع نصب الراء إلا حمزة فبرفعها . البدور الزاهرة ، 57 . ( 16 ) فهي تذكرها ، ب س : فهي تذكر ، م . ( 17 ) ثان ، ب م : ثاني ، س . ( 18 ) عطفا ، س : عطف ، ب م .